الرأي الحر

الاغتراب .. ليل و ضباب .. بلا أحباب

بقلم الدكتور حافظ رسلان

د. حافظ رسلان

أصبحت مشكلة الاغتراب مع نهاية القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين ظاهرة عالمية ـ أي أنها ليست خاصة بالغرب وحده أو الشرق وإنما صارت حالة مميزة للإنسان في المجتمع الحديث . وقد كثرت البحوث الاجتماعية وتنوعت حول هذه الظاهرة التي بدأت تفرض نفسها علي كافة أنماط الحياة الاجتماعية في مختلف الثقافات ـ خاصة في المجتمع الصناعي مع ما صاحبه من تغيرات وتحولات هائلة. وبالتالي فان شدة هذه الظاهرة ومدي انتشارها يختلف اختلافا جذريا تبعا للشروط والظروف التي تصاحبها. غير أنه لا يمكن إنكار أن مصطلح الاغتراب اليوم من أكثر المصطلحات شيوعا عند طرح مشكلات المجتمع الحديث.

وإذا حاولنا أن نبحث في مفهوم الاغتراب نجد أنفسنا في طريق شائك لأن مفهوم الاغتراب لا يزال غير واضح حيث أن هناك خلط بين مصادره و مظاهره و هو يتخذ أشكالا ومفاهيم كثيرة و متنوعة. فان المفهوم السائد هو أن يكون الإنسان مغتربا عن مجتمعه أو عن نفسه أحيانا حيث يفقد الشعور بالصلة الجوهرية بين الواقع و الحلم. وهذا التناقض يدفع المرء نحو الاغتراب عن مجتمعه المزيف . والاغتراب يمكن أن يكون أيضا عبارة عن حالة من العجز الناتج عن السيطرة المادية علي الإنسان ـ مما يجعله عاجزا عن تحقيق ذاته ومن ثم يميل إلى العيش في عزلة واغتراب . وتجدر الإشارة إلى أن تفكك القيم والمعايير الاجتماعية وفقدان السيطرة علي السلوك الإنساني وضبطه يدفع أيضا إلى الاغتراب. حيث أصبحت القيم والمعايير نسبية ومتناقضة وغامضة ومتغيرة بدون توقف، ومن ثم لم تعد لها سيطرة علي إنسان العصر الحديث.

وفقدان هدف يعطي معني لحياة الإنسان، يجعله لا يستطيع أن يستجمع نشاطاته. وبالتالي صارت العبثية تحكم الناس وينتج عن ذلك شيوع القلق واليأس. من جهة أخري فان العلاقات الإنسانية قد أصبحت غير ثابتة . إن إنسان العصر الحديث محاط بالآخرين لكنه يعيش وحيد كجزيرة منعزلة . وينتج عن ذلك أن الصلة بينه وبين الآخرين تكون سطحية وليست عميقة . والطامة الكبرى أن يكون المرء موجود بالقرب من الآخرين وبعيد عنهم في نفس الوقت مما يزيد من شعوره بالاغتراب.

وإذا كانت المسافات المكانية قد ألغيت في العصر الحديث إلا أن المسافات النفسية والاجتماعية تزداد يوما بعد يوم. و أحيانا يفقد المرء صلته بذاته الحقيقية إذ يصبح مع الزمن مجموعة من الأدوار والأقنعة ولا يتمكن من أن يكون نفسه إلا في حالات نادرة ومن ثم لا يتوافر للإنسان السلام الداخلي مما يؤدي إلى صراع مع النفس يدفعه إلى تدميرها أحيانا .

ونتيجة لهذه الحالة التي يعيشها الإنسان في العصر الحديث يجد نفسه أمام عدة اختيارات : إما الانسحاب أو الخضوع وإما التمرد والرفض. أحيانا يلجأ العاجزون المنسحبون إلى الهرب لكي يتفادوا الالتزام والمواجهة . ومنهم من يلجأ إلى التقوقع داخل ذاته ليتخفي ورائها أو الرجوع إلى الماضي والهرب إليه في محاولة استعادة لحظات الطفولة بما فيها من أمان وعدم مسؤولية وهدوء نفسي. وأحيانا يكون الانسحاب عن طريق الانغماس في ملذات الحياة دون غاية ومن ثم تنشأ حالة من اللامبالاة التي أصبحت سائدة في العصر الحديث. و العاجزون يلجأ ون أحيانا إلى تقبل الحال كما هو دون السعي إلى تغييره .

وغالبا ما يدخل الوصوليون ضمن هذه الفئة. أما من يهدف إلى التغيير للأحسن فهم فئة خلاقة تحاول تجاوز اغترابها وتغيير عالمها إلى الأفضل من خلال الإبداع في كافة المجالات. حيث أنهم يخلقون وسائل لإنقاذ أنفسهم وإنقاذ الآخرين من خلال التخلص من كل ما هو مزيف و طموحهم نحو الأفضل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى