الرأي الحر

نفحات رمضانية (1)

.......... إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به .... (من حديث قدسي)

ها نحن نتنسم نفحات رمضان ونصبو إلي عبيره ونتوق إلي أجوائه وهو يطل علينا من قريب ونحن ندنو منه رويداً رويدا ً فاللهم بلغنا رمضان وسلمنا رمضان وسلم رمضان لنا وتسلمه منا متقبلاً اللهم امين .

يفرح ويسعد المسلم ويحق له أن يفرح ويسعد بقدوم هذا الشهر الفضيل الكريم في كل شئ من فضل الله عز وجل فهو شهر التوبة والرحمة والمغفرة والرضوان والعتق من النيران وقد جاء أنه قد كان النبي صلى الله عليه وسلم يبشر أصحابه بقدوم رمضان كما أخرجه الإمام أحمد والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:

كان النبي صلى الله عليه وسلم يبشر أصحابه يقول: ( قد جاءكم شهر رمضان شهر مبارك كتب الله عليكم صيامه فيه تفتح أبواب الجنان وتغلق فيه أبواب الجحيم وتغل فيه الشياطين فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم ).

وقد قال بعض العلماء: هذا الحديث أصل في تهنئة الناس بعضهم بعضا بشهر رمضان .
وعندنا الكثير من الآيات والأحاديث التي تدل علي عظمة وقيمة المكانة التي بلغها الصوم ونتناول منها فقط هذا الحديث الشريف :
((عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ …. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. قَالَ اللَّهُ : كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ)) .. متفق عليه.

ونقف مع قول الله عز وجل إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به فنحن نعلم أن كل العبادات هي لله ونبتغي بها وجه الله لكن أن يختص الله عزوجل الصيام بنسبته لنفسه فهذا لعلو قدر هذه العبادة العظيمة وزادها الله شرفاً وتعظيماً وقد ذكر العلماء في تفسير ذلك المعني أقوال كثيرة نذكر منها :

1- أن الصوم لا يقع فيه الرياء فالصوم لا يطلع عليه بمجرد فعله إلا الله فهو سر بين العبد وربه .

2- أن المراد بقوله : ( وأنا أجزى به ) أني أنفرد بعلم مقدار ثوابه وتضعيف حسناته فالأعمال قد كشفت مقادير ثوابها للناس وأنها تضاعف من حسنة إلي عشرة إلى سبعمائة إلا الصوم يضاعف إلى ما شاء الله.

ويشهد لهذا حديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : إِلا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ) رواه مسلم . أي أجازي عليه جزاء كثيرا من غير تعيين لمقداره ،

وهذا كقوله تعالى : ( إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ) .

3- أن الإضافة إضافة تشريف وتعظيم ، كما يقال : بيت الله ، وإن كانت البيوت كلها لله .

4 – لأنه لم يعبد به غير الله قط فلم يعظم الكفار أو المشركين في أي عصر من العصور آلهتهم بالصوم لها أبداً إنما كانو يعظمونها بالسجود والنذور والطواف والركوع و .. إلي غير ذلك إلا الصوم .

5 – ونقف عند هذه و نلاحظ أن كل العبادات التي فرضها الله عز وجل علي عباده تتماشي وتتناسب وتتوافق مع الفطرة التي فطرنا الله عليها فالصلاة نقوم فيها لله عز وجل خاشعين يسبقها التطهر والوضوء وفي ذلك أريحية للبدن ونظافة وكذلك أثناء الصلاة مناجاة وصفاء قلب وتحليق روح مما يحقق الراحة والسعادة للعبد بين يدي ربه وعند إخراج الزكاة لله وإبتغاء رضوانه فيها كسر لحاجز الشح والبخل داخل النفس والشعور بالفرحة الغامرة من الكرم والسخاء والعطاء وعلو اليد.

وعند أداء فريضة الحج كما أمر الله فرحة غامرة بالعبودية، وأداء المناسك لله وعلو همه بالسعي والطواف والرمي وترويح النفس برؤية البيت العتيق وأماكن مختلفة وتعارف وهذا كله بالسفر والسياحة والتنقل وكل ذلك محبب إلي طبيعة النفس البشرية بل حتي الجهاد المفروض من الله عزوجل والذي فيه البذل والجهد فهو دفاع عن الدين والنفس والأرض والعرض وهذا كله من شيم النفس الذكية السوية وهكذا نجد أن كل الأوامر والنواهي كلها تسير في نفس إتجاه الفطرة والطبيعة البشرية .

إلا الصوم… فهو إمتناع عن ما تقوم به الحياة .. فيترك العبد طعامه وشرابه الذي به بقاءه حياً لله عز وجل إبتغاء مرضاته وطمعاً في رضاه.

وترك الأكل والشرب هو أبداً ليس من صفات المخلوق إنما هو من صفات الخالق سبحانه وتعالي جل شأنه ولذلك نهانا رسول الله صلي الله عليه وسلم عن وصال الصوم، وأمرنا بتعجيل الفطر عندما يحل الوقت.

وقد ثبت عنه أنه كان يصل صومه ويقول “إنما يطعمني الله ويسقيني” وهذا مما أختص به النبي صلي الله عليه وسلم، ولذلك فهذه أكثر عباده يتعجب منها الذين لا يؤمنون بالله.

ومن هنا كانت المنزلة العظيمة والمكانة المميزة للصوم، ولذلك نلاحظ أن الصوم هو العبادة الوحيدة التي إذا حصل فيها سهو في ركنه – وهو الإمساك – تَحَمَلَ الله عز وجل عن العبد هذا النقص بل جعله رزقا ساقه إليه ففي الحديث ( إذا أكل أحدكم ناسياً أوشرب فليتم صومه إنما أطعمه الله وسقاه ) بخلاف غيره من العبادات.

فالمرء مطالب بالإتيان بالركن مع تحمل تبعات السهو ، أو يطالب بالجزاء لتصحيح عبادته، وفي هذا خصوصية تتناسب مع قوله تعالي : إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به …. ولعله نوع من أنواع الجزاء المدلول عليه بقوله تعالي : وأنا أجزي به،… وإلا لما تَحَمَلَ الله عنا تبعات ذلك بل وجعله مكافأة سيقت لنا ، ونسب إلى نفسه العلّية سبحانه وتعالي الإطعام ، والسقاية لا بجناية العبد وجعلها من غير خلل ولا نقص في عبادته .

فاللهم تقبل منا صيامنا ياذا الجلال والإكرام واشملنا تحت قولك … “إلا الصوم وأنا أجزي به”.

يارب صلي علي النبي مسلماً …

واجعل لنا التوفيق دوماً صاحباً…

وصلي اللهم علي سيدنا محمد وعلي آله وصحبه وسلم.

عبدالرحيم الخولي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى